جان لوئيس بوركهارت
327
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
من السودان إلى قبر الرسول ، وكان الحجاج يجزلون له العطاء ، وأكبر ظني أنه سيعود إلى وطنه أيسر حالا مما غادره . وبعض التكارنة ذوو يسار ونفوذ في وطنهم ، ولكنهم يتصعلكون في الرحلة مخافة أن تؤذيهم مظاهر النعمة . وقد رأيت ونحن مخيمون في السهل القريب من سواكن شابا تكروريا نائما في بقعة منعزلة وقد جثا إلى جواره فتى آخر يهش الذباب عن وجهه . ولما تحريت الأمر علمت من الزنوج الآخرين أن الشاب ابن شيخ كبير في دار صليح ، وأنه تلقى العلم مع الفقهاء وقام في هذه الرحلة بجمل وخادم واحد لا غير . وفي شندى استبدل بالجمل حمارا . وتظاهر الخادم بأنه صديق ورفيق له في الرحلة ، واختلط كلاهما بجمهور الحجاج الفقراء . وبسبب هذا الفتى وأمثاله - وهم قلة - تجد سكان البلاد التي يمر بها الحجاج يقسون ويبخلون عليهم ، فهم يحسبون كل تكرورى ملكا متنكرا من ملوك السودان الذين يتقلبون في الذهب . وكان بكوات المماليك إبان حكمهم مصر يغدقون على التكارنة أجزل العطاء ، أما الحكومة الحاضرة فلا تبدى نحوهم عطفا يذكر ، ولا يسمح لتكرورى أن يركب مركبا بالقصير إلا إذا أدى أجرا مقررا لأصحاب المركب ، وجل المراكب ملك للحكومة . وحيثما مر الفقهاء الزنوج في إفريقية وبلاد العرب تجد الأهالي يقبلون على التمائم التي يكتبونها ، فهي أطهر وأقدس في نظرهم مما يكتبه سائر الحجاج . وفي القاهرة اليوم تكرورى يسكن قرب قره ميدان ، اشتهر منذ سنوات بما يكتب من تمائم ، وقد درت عليه صناعته هذه ربحا طائلا . والحجاج الزنوج على العموم قوم مجدون دءوبون ، وما دام في إمكانهم كسب قوتهم بالعمل فهم لا يستجدون إلا نادرا وطرق القوافل السودانية التي تراها على الخرائط من كردفان إلى دنقلة أو بربر لا يسلكها اليوم أحد . فليست هناك مواصلات مباشرة أيا كانت بين كردفان وبربر ، أما المواصلات بين كردفان ودنقلة فلم تنتظم إلا منذ وصول المماليك إلى تلك الأصقاع . وقل أن يختار الحجاج الطريق من بربر إلى سواكن لأنهم يرهبون